إذا لم تستحِ فأصنع ما شئت .. بقلم إيهاب وهبة

إذا لم تستحِ فأصنع ما شئت

إذا لم تستحِ فأصنع ما شئت

كنت أتابع حديثا تذيعه إحدى القنوات التلفزيونية العربية، عندما قطعت القناة مجرى الحديث معلنة الانتقال إلى العاصمة الأمريكية لإذاعة المؤتمر الصحفي المهم الذى كان قد بدأه وزير الخارجية مايك بومبيو، بالحديث عن إيران ثم العراق وبعدها انتقل إلى الشرق الأوسط. أرهفت السمع بالطبع معتقدا أن الوزير ربما سيعلن عن صفقة القرن التي يبشروننا بها منذ مدة طويلة باعتبار أنها ستكون الحل الذى ينتظره الجميع لوضع حد للنزاع فى الشرق الأوسط. خاب ظني ليس فقط لأنه لم يأت على ذكر صفقة القرن.

إذا لم تستحِ فأصنع ما شئت

إنما ما أعلنه ــ دون استحياء ــ عن الموقف الجديد الذى ستتخذه الإدارة الأمريكية فيما يتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية فى الأراضي الفلسطينية المحتلة. أعلن الوزير ــ لا فض فوهه ــ أن إدارة ترامب ستتخذ موقفا مغايرا لموقف الرئيس السابق أوباما فيما يتعلق بهذه المستوطنات. فمن الآن فصاعدا فإن الولايات المتحدة لا ترى فى بناء هذه المستوطنات ما يمكن أن يعد خرقا للقانون الدولي. ومن أجل التبرير لهذا القرار الصادم ادعى أن موقف الولايات المتحدة من الاستيطان شابه التضارب على امتداد العقود الماضية. ففي عام 1978 اتخذت إدارة الرئيس جيمى كارتر موقفا قاطعا بأن إقامة المستوطنات «المدنية».

         

ربما تفيدك قراءة: إصلاح التعليم - الحقائق والآفاق .. بقلم أحمد جمال الدين موسى

       

إنما يتم بالمخالفة لقواعد القانون الدولي، غير أنه فى عام 1982 لم يتفق الرئيس ريجان مع هذا الموقف وأعلن أنه لا يعتقد أن المستوطنات هي عمل غير شرعي بطبيعته. عاد بومبيو فاعترف بأن الإدارات الأمريكية المتعاقبة أقرت بأن النشاط الاستيطاني الإسرائيلي يمكن أن يشكل عقبة فى طريق السلام، ولكنها قالت فى نفس الوقت إن الخوض فى المواقف القانونية هو أمر لا يخدم عملية السلام. غير أن الوزير الأمريكي عاد فاعترف بأن وزير الخارجية كيري قام بتغيير الموقف الأمريكي مرة أخرى بالإعلان عن عدم مشروعية الاستيطان.

بدأ بومبيو فى تعديد الأسباب التي أدت إلى هذا الانقلاب الجديد فى الموقف الأمريكي، كلها مليئة بالمغالطات. من ذلك مثلا أن الاعتراف بشرعية المستوطنات «إنما يتأسس على حقائق فريدة من نوعها، كما يستند إلى التاريخ، وإلى الظروف التي تفرض نفسها على هذا الأمر».

غير أن ما استوقفني هو ما نسبه إلى الرئيس ريجان فى هذا الخصوص. وعدت إلى نص مبادرة ريجان عام 1982 فوجدت أن ريجان قال بالحرف الواحد «إن النشاط الاستيطاني لا يمثل أي ضرورة لتحقيق الأمن لإسرائيل، بل يؤدى إلى فقدان الثقة من قبل الدول العربية، وكذلك إمكانية التوصل إلى حل نهائي يتم التفاوض عليه فى جو من الحرية والعدالة». وقال ريجان فى مبادرته «إن الولايات المتحدة لن تدعم استخدام أية أراض جديدة من أجل إقامة المستوطنات، وفى الحقيقة إن اتخاذ إسرائيل لقرار فورى بتجميد الاستيطان يفوق فى الأهمية أي قرار آخر». جدير بالذكر أن السفير الأمريكي الذى اطلع مناحم بيجين على المبادرة التي أطلقها ريجان، رد عليه بيجين بأنه لم يشعر بحزن يفوق ما يشعر به بعد سماعه المبادرة، ورفضها على الفور بالقول إنها لا تصلح حتى كأساس للتفاوض!.

وكى أضع أمام أعين القارئ الكريم مدى فداحة آثار الموقف الأمريكي الجديد ومخالفته لكل الشرائع التي تبناها المجتمع الدولي لأكثر من أربعين عاما، سأعدد على الفور بعضا من هذه القرارات الدولية، وكلها تؤكد على عدم جواز اكتساب الأراضي عن طريق القوة، وأن بناء المستوطنات ونقل الإسرائيليين إليها إنما هو عمل غير شرعي ومخالف للقانون الدولي:

  • قرار مجلس الأمن رقم 242 الذى تقوم عليه كل التسويات السليمة.

  • قرارات مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة ذات الصلة ومن بينها قرار مجلس الأمن رقم 2334 الصادر عام 2016 الذى لم تستخدم الولايات المتحدة حق الفيتو لإسقاطه.

  • اتفاقية جنيف الرابعة.

  • معاهدة روما الخاصة بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية التي اعتبرت أن القوى المحتلة إذا ما قامت بنقل البعض من سكانها إلى الأراضي المحتلة فإن ذلك بمثابة جريمة حرب!.

  • كل المنظمات الإقليمية بما فى ذلك الاتحاد الأوروبي.

اختم كلامي بالقول إن الانتقاد بالإدانات أو الشجب من قبل الدول العربية لن يغير من الموقف شيئا. ما نحن فى حاجة إليه هو اتخاذ إجراءات موجعة خاصة بعد أن تمادت إدارة ترامب فى ممارساتها ومواقفها سواء بالنسبة للقدس ثم الجولان والآن المستوطنات. ليس أقل من أن تقوم كل الدول العربية ــ دون استثناء ــ باستدعاء سفرائها من العاصمة الأمريكية للتشاور، وإلى أن تعيد الولايات المتحدة النظر فى قراراتها الأخيرة غير الشرعية.

أخشى أن يقول البعض إن الدول العربية ليست فى وضع يسمح لها بتحدي الولايات المتحدة أو الوقوف فى وجهها، وهذا القول مردود عليه بالآتي:

1ــ إذا تقاعست الدول العربية عن الوقوف فى وجه التصرفات الأمريكية التي أشرت إليها، فإن ما يمكن أن تلجأ إليه الإدارة الأمريكية الحالية ربما يأتي كأقسى وأمرّ خاصة ونحن فى سنة انتخابية أمريكية.

2ــ إن الولايات المتحدة فى حاجة دائمة للدول العربية، ولا يمكنها أن تنفض يدها منها.. فللولايات المتحدة قواعد عسكرية ضخمة، جوية وبحرية، فى دول عربية عدة مثل قطر والبحرين. أضف إلى هذا أن الموقع الاستراتيجي الفريد للدول العربية المطلة على الخليج العربي وبحر العرب وعلى الممرات المائية، ممرات هرمز وباب المندب، والتي تتحكم فى واقع الأمر بشرايين الحركة التجارية والعسكرية العالمية. كلها أمور لا يمكن للولايات المتحدة أن تغض الطرف عنها، أو تتجاهلها.

       

ربما تفيدك قراءة: أولادنا القُصَّر والمواقع الإباحية .. بقلم د. خليل فاضل

     

3ــ لا يمكن للولايات المتحدة أو غيرها أن تتناسى الموقف الذى اتخذته الدول العربية المنتجة للبترول من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية بحظرها تصدير البترول إليها إبان حرب أكتوبر المجيدة. ولا ننسى أن هنري كيسنجر وزير الخارجية الأمريكية حينئذ سعى حثيثا لإقناع الرئيس الراحل أنور السادات كي يقنع بدوره خادم الحرمين الشريفين الملك فيصل ــ رحمه الله ــ بأن يرفع الحظر البترولي عن الولايات المتحدة. رفض العاهل السعودي ذلك، وربط رفع الحظر بقيام الولايات المتحدة بالتوصل إلى اتفاق لفصل القوات بين سوريا وإسرائيل فى الجولان، على غرار الاتفاق الذى تم التوصل إليه بين مصر وإسرائيل فى يناير 1974، وقد تم بالفعل التوصل إلى اتفاق بين سوريا وإسرائيل بمعاونة الولايات المتحدة فى مايو 1974.

على هذا الشكل تدار الأمور سواء فى الحرب أو السلام، ولنتذكر دائما أننا أصحاب حق وأن المجتمع الدولي بأسره يقف إلى جانبنا. يجب علينا فى هذه الظروف الحالية اتخاذ القرار اللازم ولا نخشى لومة لائم.


بقلم إيهاب وهبة

تواصل مع فريق عمل أثر بالضغط هنا